هذا العلم ذكر اسمَه الشعراني في كتابه المسمَّى إرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء العاملين، وَأورد فيه أنه إذا كان كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه الحديث(1). فمن أين جاء كفر الأوّل، وهو ينزل العقل هنا من حيث فكره منزلة الأبوين في كون هذا الشخص قد أخرجه نظره من فطرته إلى إثبات الشرك، مع أن الشرك عدم، وقد سنح لي أن أقول حيث كان الشرك للولد يأتيه من أبويه، والأبوة والبنوة متلازمان لا يتعقل انفكاك واحد منهما بدون الآخر جاء الشرك للأول من نفسه المستولية على عقله المعقول بقيدها، بعد أن كان في حيز الإطلاق الذي لا يمكنه أن يصرح بالشرك، لأن الشريك معدوم لا يتعقّل مع واجب الوجود، فَالفطرة السّالمة دائما لا شرك لها، ولذلك لم يقل في الحديث الشريف أو يلقنانه الإيمان، لأنه إذا ترك وَنفسه لاهتدى إن كان من ذوي العقول إلى مقتضى فطرته، فالذي جنى على الولد من حيثية الشرك هما الأبوان، فهما وَإن كانا السبب في وجوده فهما السبب في عدمه، ولذا قال ذو المعرة(2):
هذا جناه أبي علي ... ... وما جنيت على أحد(3)
__________
(1) - إشارة للحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مولودٍ إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسبون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم. إهـ .. أنظر صحيح البخاري (كتاب الجنائز). باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ رقم الحديث 1374.
(2) - المراد به الشاعر العربي أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، المشهور بأبي العلاء المعري، ولد في معرة النعمان بسوريا، بين حماة وحلب، عام 363 هـ. وكان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيرا، فعمي في السنة الرابعة من عمره، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشر سنة. قال عنه ياقوت: والناس مختلفون في أبي العلاء، فمنهم من يقول كان زنديقا، ومنهم من يقول زاهدا متعبدًا، يأخذ نفسه بالرياضة والخشونة والإعراض عن أعراض الدنيا، توفي سنة 449 هـ. أنظر ترجمته في الأعلام للزركلي 1: 157.
(3) - البيت للشاعر أبي العلاء المعري، وقد أوصى قبل وفاته أن يدفن عند الممات في بيته، ويكتب البيت الشعري المذكور على شاهدة قبره، فنفذ أصحابه الوصيتين، الدفن والكتابة.