معنى الحمد و الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم
قال السري السقطي لابن أخته الجنيد حين قال له: ما الشكر يا غلام؟ فقال فيه: هو أن لا يعصى الله تعالى بنعمه، فقال له السري: أخشى عليك أن يكون حظك من الله لسانك، فنرجو من الله أن لا يؤاخذنا بعدم إخلاصنا... (من الرسائل)ه لقد امتن الله على الإنسان بحفظه كما امتن بتخصيصه بسابق الفضل و الإحسان و بأي سبب استحق العبد هذه النعمة حيث أعطيها يوم قدرت المقادير و قسمت القِسَم حيث لا وجود لذاته هناك و لا عمل يتقرب به إلى معطيها و لا شيء يدلي به و يستند إليه بل هو محض الجود و الامتنان و الفضل و الإحسان و لو شعر الإنسان بهذه النعمة العظمى و عرفها لاستغرقه الفرح بالله و لاستولى عليه سلطان المحبة و الشغف بهذا المعطي الكريم و المولى العظيم الذي خلق فهدى و تفضل و أعطى و خصص أزلا و اجتبى و لا يزال... و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، و الناس كلهم غرقى في بحر النعم إلا أنهم لا يشكرون و قليل من عبادي الشكور و إذا أراد الله بعبد خيرا و أن يجعله من خواص عباده عرَّفه ما عليه من النعم و ألهمه شكرها و لم يزد شيئا على ذلك يكون به مخصوصا فكل الناس منعم عليه و المخصوص من شاهدها... فالشكر باب الله الأعظم و صراطه الأقوم و لهذا قعد الشيطان بسبيله يصد عنه المؤمنين ... و أقرب الأبواب إلى الله تعالى باب الشكر و من لم يدخل في هذا الزمان منه لم يدخل لأن النفوس قد غلظت يعني فلا تتأثر برياضة و لا بطاعة و لا تنزجر بمحاسبة و لا بمناقشة فإذا استغرقها الفرح بالمنعم غابت عن ذلك كله و طوت مسافتها و كل و عد في كلام الله تجده مقرونا بالمشيئة إلا الشكر فقال تعالى "لئن شكرتم لأزيدنكم" و أكده بلام القسم و نون التوكيد ... و انظر كيف قدم الله الشكر على الإيمان اعتناء بشأنه فقال ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم و آمنتم... فالإيمان هو الفرح بالمنعم ، والفرح الذي هو شكر القلب إيمان و لا إشكال إن الإيمان لا يكون حقيقيا إلا معه إذ هو نتيجته و لازمه، و قد يكون العطف في الآية للتفسير فيؤخذ منها ما قاله رضي الله عنه (أي سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه)ه من أن الإيمان هو الشكر و لو عرف الإنسان حقيقة الشكر لملئ قلبه و طار عقله محبة في الله و سرورا و فرحا و حبورًا.ه. فإذا تحقق العاقل بأن النعم التي عليه من الله كما قال تعالى: "و ما بكم من نعمة فمن الله"ه فلا بد من أن تحصل له المحبة فيه تعالى كما قال صلى الله عليه و سلم جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فإذا تمكن الإنسان في مقام المحبة استحسن كل شيء وقع من المحبوب كما قال صلى الله عليه و سلم حبك الشيء يعمي و يصم... و قد قام صلى الله عليه و سلم في مصلاه حتى تورَّمت قدماه الشريفتان فقيل أتتكلف هذا، و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فقال صلى الله عليه و سلم أفلا أكون عبدا شكورا، و في الحقيقة أن في طي النقم النعم كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: ما أصابني الله تعالى بمصيبة إلا رأيت لله علي في ذلك ثلاث نِعَم: الواحدة حيث لم تكن في ديني، الثانية حيث لم تكن أكبر منها، النعمة الثالثة ما وعد الله من الثواب عليها و لذلك كان صلى الله عليه و سلم يقول اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك و قال تعالى و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها و يرحم الله بعض العارفين حيث قال: سبحان من لو سجدنا بالعيون له *** على شفا الشوك و المحمى من الإبر* لم نبلغ العشر من معشار نعمتـه *** و لا العشيـــر و لا عشرا من العشـر كيف لا و شكرنا نعمة منه علينا و قد روي أن نبي الله داوود عليه السلام قال إلاهي كيف أشكر و شكري لك نعمة من عندك فأوحى الله إليه الآن شكرتني و في رواية أبي عمر الشيباني قال موسى عليه الصلاة و السلام يوم الطور يا رب إن أنا صلَّيت فمِن قِبَلِك و إن أنا تصدَّقت فمن قبلك و إن أنا بلغت رسالتك فمن قبلك فكيف أشكرك قال يا موسى الآن شكرتني و في لفظ إذا عرفت أن النعم مني فقد رضيت بذلك منك شكرا و يرحم الله محمود الوراق إذ قال: إذا كان شكري نعمة الله نعمـــة *** علـيَّ بها فــــي مثـلــها يجب الشكــر* فكيف بلوغ الشكر إلا بفضلــــه *** و إن طالــــت الأيام و اتَّصل العمــر* إذا مسَّ بالسراء عم سرورهـــا *** و إن مس بالضــراء يعقبهــا الأجـــر)* فما منها إلا له فيه نعمــــــةٌ *** تضيق بها الأوهام و السر و الجهر (من كتاب الكوكب الوهاج بتصرف)ه و قد قال بعض العارفين كلما تذكرت أني عبدالله و أنه أهَّلني للإيمان و الإيقان زاد سمني. (من كتاب الكوكب الوهاج)ه هذا و إن الحق تعالى لما علم عجز خلقه عن أداء حق حمده حمد نفسه بنفسه في سابق أزله، فقال الحمدلله، فكذلك يقال في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم، فإن الحق تعالى صلى على نبيه بنفسه في سابق أزله، فالمصلي بصلاة الفاتح يطلب منه أن يصلي على نبيه بتلك الصلاة، لأنها هي الفاتح التي لم تتقدم قبلها الصلاة عليه، و ليس المقصود بها لفظ صلاة الفاتح لما أغلق، بل حتى أن المصلي إذا صلى بغير هذه الصلاة واستحضر هذا المعنى فإنه يحصل على فضل عظيم، بما يستفاد منه إظهار العجز الحقيقي في أداء حق هذا النبي الكريم عليه السلام إلا أن صلاة الفاتح لما أغلق فيها خاصية مرتبطة بهذا المعنى، بحيث إذا استحضره المأذون له فيها واعتقد أنها برزت من حضرة الغيب فاز بالثواب المنوط بها إن شاء الله تعالى. (من الرسائل)ه قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله إذا أردت أن تعرف أن الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم أفضل من سائر العبادات فانظر قوله تعالى إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما، فأمر الله تعالى عباده بسائر العبادات و صلى عليه بنفسه أولا و أمر الملائكة بالصلاة عليه صلى الله عليه و سلم ثم أمر المؤمنين بأن يصلوا عليه. (من كتاب الكوكب الوهاج)ه و في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "من صلى عَلَيَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرا"ه فلو عملت في عمرك كل طاعة ثم صلى الله عليك صلاة واحدة رجحت تلك الصلاة الواحدة على ما عملت في عمرك من جميع الطاعات لأنك تصلي على حسب وسعك و هو يصلي على حسب وسعه و أنت تصلي على حسب عبوديتك و هو يصلي على حسب ربوبيته هذا إذا كانت صلاة واحدة فكيف إذا صلى عليك عشرا بكل صلاة... (من كتاب الكوكب الوهاج)ه
نفائس سكيرجية تجانية: nafaiss skiredjiennes
Suivant| 1
| 2
| 3
| 4
| 5
|