مناظرة أولى

بسم الله الرحمن الرحيم
في 22 رجب عام 1348 هـ

الحمد لله. إني مثبت هنا مذاكرة جرت بين سيدي الوالد وبين من سماه فيها. اقترحت عليه كتابتها خوفا على ضياع الفوائد المشتملة عليها. قال حفظه الله:

اللهم إنا نتبرأ إليك من قوم ظهروا في زماننا هذا. قد استولت عليهم الغفلة عن ذكرك. حتى أطلقوا ألسنتهم في الذاكرين. واستباحوا عرض من دل عبادك عليك بدعوى كونهم من المصلحين. فكان من نتائج أغراضهم إعراضهم عنك بالخوض في أعراض الصالحين. فبحرمتك أسألك أن تهدي منهم من أخلص في الدفاع عن جانب السنة والكتاب. وإن في غلظ حجاب من ورائه وقف ما تراءى له. فعد نفسه (غلطا) في زمرة المنتصرين للحق. وأرنا اللهم الحق حقا لنتبعه. والباطل باطلا لنتجنبه. بتوفيقك يا رب الأرباب. بجاه من له الجاه. عليه سلام الله. وعلى كل من والاه.

أما بعد، ولله في خلقه شؤون. فقد جمعتني المقادير في مجمع حفيل بدار وزير العدلية الشريفة العلامة الرندة(1). بلغه الله قصده. في احتفاله بأعضاء جمعية أوقاف الحرمين الشريفين(2). التي من جملتهم يسمى فيها عضوا عاملا كاتب هذه الأحرف. وكان من الحاضرين في هذا الاحتفال سيادة الصدر الأعظم للأعتاب الشريفة السيد الحاج محمد المقري(3).

ورئيس التشريفات الوزير الشرفي المفوض السيد الحاج قدور ابن غبريط(4). ووزير الأحباس الفقيه السيد محمد ملين(5). ووزير القلم بالديار التونسية السيد الهادي الأخوة(6). ورئيس التشريفات بها السيد يونس حجوج. وعامل بنزرت الجنرال بن خوجة(7).

وكاهية شيخ المدينة بها الكولونيل مصطفى صفر(8). ومفتي قسنطينة المحبوب. السيد المولود بن الموهوب(9). ومفتي الحضرة الوهرانية. سليم الطوية. السيد الحبيب بن عبد المالك(10). وقاضي الحضرة التلمسانية السيد عبد القادر الدواجي. وقاضي بسكرة السيد محمد (فتحا) ابن ساسي. مع أناس آخرين.

وجرت المذاكرة في البدع التي عمت بها البلوى بين من حضر. وكنت ملازما الحياد عن الخوض في معمعة تلك المذاكرة التي شعرت فيها بمن رام جر البساط إلى الخوض في عرض شيوخ الطرق. بل في عرض من تصوف. وبصفة كوني أنتصر للصوفية أجمعين. وعلى الأخص من بين الطرق الطريقة التجانية. التفت إلي جماعة من أعيانهم. وأخص بالذكر من لم أسمه أولا إجلالا وتكرمة. من بينهم رئيس مجلس الإستيناف الأعلى الشريف السيد محمد بن العربي العلوي(11).

ووزير العدلية سابقا السيد بو شعيب الدكالي(12) . وأستاذ الحضرة الشريفية السيد محمد المعمري(13). ومندوب العدلية الشريفية السيد محمد الحجوي. وإني لأجلهم بما لهم من فضل علي. غير أني لا أقبل منهم شنيع الإنكار الذي يحط من قدر من هو لكل مكرمة أهل. فكان أول ما فاجأني به رئيس مجلس الإستئناف المذكور(14) أن قال: أنه كان في أيامه الخالية (ويعد ذلك من أيام بطالته) متقيدا بعهد الطريقة التجانية. وقد انسلخ عنها لكون التقيد بالطرق بدعة. بل نفس الطرق بدعة يتعين محاربة أهلها باللسان والبنان. وكل ما هو داخل في حيز الإمكان. حتى لا يبقى أثر لها ولا لأهلها مع الحنفية السمحة طريقة الكتاب والسنة. ونحا نحو هذا القول بعبارته العذبة التي حركت ممن ذكر البواعث على إطلاق ألسنتهم بتوجه الخطاب إلي. وكأنني شيخ تربية. أو فاتح زاوية. فقال الفقيه الحجوي(15):

الذي يظهر لي أن أهل الطرق لو نقصوا من ترهاتهم شيئا قليلا. ونحن نقصنا من لهجتنا شيئا قليلا لحصل الوفاق بيننا وبينهم. فما تقول يا فلان؟ وأشار إلي. فقال الشيخ أبو شعيب: إن فلان، وقصدني، ليحرك مني الدم(16). وكأني به لم يقصد بقولته الذم. إنه معنا على وفاق. وهو اللائق بحالته السياسية. فهو من الجانب السياسي أقوى منه بين الجانب الفقهي. ولا أخاله إلا موافقا لنا. فقال الرئيس المذكور(17): نحن فيما نقوله ونعتقده على حق. ولسنا بغالين في مذهبنا الذي نحن متمسكون بحبله المتين. الذي هو كتاب الله وسنة رسوله الأمين. فكيف ننقص من لهجتنا مع المبتدعة الذين كادوا أن يقضوا على الشريعة المحمدية بما فرضوه وسنوه للعامة. وأعانهم على ما ابتدعوه قوم آخرون.

فعندئذ قلت: يا قوم أرجو منكم أولا أن تتركوا السب. وعليكم أن تنتقدوا ما لم تعتقدوا. وعلى أن التسليم أولى بمن لم يكن مطلعا على جميع ما اشتملت عليه الشريعة. فقد اختلفت المذاهب بتنوع المشارب. وقد علم كل أناس مشربهم. فقال الرئيس: نحن لا نسب. وقديما قيل: السب سلاح العاجز. ونحن غير عاجزين على إقامة الأدلة على تحقق بدعة الطرقيين وما أحدثوه في الدين. وقد قال تعالى في تأديب المنتصرين للحق: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله(18).

فقلت له: عفا الله عنا وعنكم. فهل من أخذ عن شيوخ الطرق يعد عابدا لهم؟ والدعاء في الآية بمعنى العبادة. ولن تجد طرقيا متوغلا في الجهل يعبد شيخا من الشيوخ. فقولوا الحق في ما تبدونه من النكير على أهل الله. فقال أحدهم: نحن لا نقول لهؤلاء المتصوفة بأنهم أولياء الله. ولكنهم من حزب الشيطان أقرب لخروجهم من باب الشريعة إلى ما انتحلوه من شرائع لم يات الله بها من سلطان. فقلت لهم:

إن سوء الظن يؤدي بأصحابه إلى أكثر من هذا(19) . وليس بضارهم عدم اعتقادكم فيهم وقد اعتقد فيهم غيركم. فقالوا بلسان واحد: إن اعتقاد غيرنا فيهم هو الذي حملنا على أن نجرد سيوف الإنكار عليهم. ليتحقق العامة والخاصة بأن من حاد عن الكتاب والسنة ضال مضل مبين. وهم سائر الطرقيين من غير استثناء أعلامهم من جهالهم. فقد استحوذت خاصتهم على عامتهم. وقضوا على الشريعة بما وافق أغراضهم الشخصية. فلا شيخ منهم إلا وهو يدعو لنفسه كأنه رسول من رب العالمين(20). ولا تابع لهم إلا وهو يشن الغارة على غير شيخه بما يتحاشى عن ذكره سائر المنكرين. فاللائق بالأمة أن تتفطن لما أصابها من هذه الطرق المحدثة. وشر الأمور المحدثات البدائع. وقد قال الرسول الحقاني عليه السلام:

من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد(21). فهذه الطرق كلها رد. ومن جملتها طريقتك التجانية التي أخذ عليك فيها العهد. فقلت لهم: أرجو منكم أن تخبروني ماذا تنكرون على الصوفية عموما وأهل الطرق بالخصوص؟

أتنكرون عليهم أورادهم المشتملة على الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والهيللة في عدد صباحا ومساء. ومحافظتهم على أداء الصلوات المفروضة؟ فلا طرقي من الطرقيين إلا وهو محافظ على هذه الأشياء. وعليها مدار الطرق.

فقال الرئيس المذكور(22): يقول الله تعالى لسيد المرسلين: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء(23)". وهؤلاء قد فرقوا دينهم، فنحن لسنا منهم في شيء. ولقد ضلت كثير من شيوخ هذه الطرق على علم فاقتفى آثارهم قوم ضلوا وهم في غريق الجهل. خصوصا عند مطالعتهم لكتب أشياعهم. وما أودعوه طيها مما يقضي بابتداعهم وزيغ جهلتهم وضلالهم. فهذا شيخهم الأكبر(24). يقول في تفسيره ما يقول في قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يومنون(25). ما ملخصه: إن الذين كفروا ستروا محبتهم في ربهم عنك يا محمد. لاشتغالهم به عن غيره. سواء عليهم في جنب ما يكابدونه من الوصول لحضرته أأنذرتهم بأنواع الخزي وما وراء ذلك من سوء المعاقبة. أم لم تنذرهم بأن تركتهم وما هم فيه من مقتضيات محبتهم التي هاموا بها في مهامة الهوى والجوى. فهم لا يومنون بما جنتهم به لتردهم عن محبتهم. ختم الله على قلوبهم فلا يدخل إليها محبة غيره. وعلى سمعهم فلا يسمعون ما يكدر صفو محبتهم. إلخ.. فأي ضلال بعد هذا؟ إن هذا إلا ضلال مبين. ونحو هذا من كلام شيوخهم ما لا يسعه المجال. مثل من أراد محو فضيلة القرآن باختلاق فضل الفاتح لما أغلق(26). فكيف يقبل مثل هذا من تمسك بالحبل المتين. كتاب الله وسنة رسوله الأمين.

وهنا حمي وطيس المذاكرة. وتداخل غير من ذكر من الحاضرين من المدعوين لاحتفال الوزير المذكور بأعضاء جمعية أوقاف الحرمين الشريفين. حتى أدى الحال إلى أن قال الوزير المفوض المحترم السيد قدور ابن غبريط:
إني لأرى نفسي تميل معكم الآن بعدما كنت أجد مني ميلانا إلى الطريقة التجانية. لكونها في اعتقادي أبعد الطرق عن البدع وعدم تقيد أهلها بحبل الغرور والخدع. ولو أتيح لي أن أكون طرقيا لكنت دخلت في حزبها. ولكن قولكم قد أفصح عما لم يكن بالحسبان. فهؤلاء الشيوخ ومن نحا منحاهم ممن لا يدعون للكتاب والسنة. إنما هم داعون إلى ما شرعوه طبق قولكم. وما صرحتم به من هذه المقالات التي تقشعر منها الجلود.

وقد استحسن كلامه الصدر الأعظم المقري. وبعض هؤلاء المناظرين بما فرجه عنهم بكونه من حزبهم. وفرحوا بما سمعوه منه.
فقلت لهم: على رسلكم(27) أيها السادات. فهل يقضى على جماعة بما نسب لفرد منها على فرض صحته في النسبة إليه. ولم يقبل تأويلا في جوهر لفظه حتى لو تحققت ردته ومات على كفره (عياذا بالله) فهل يحمل المتبرئ من الكفر على الكافر؟ ولقد شهدت للشيخ الأكبر برسوخ القدم في المعرفة بالله جل جلة عصره فمن بعدهم. ولا يقوى من طعن فيه قوته علما وفضلا. ولست بمنقص لكم. غير أني أريد منكم أن تصعدوا في مصاعد من صعد قبلكم في أوج التحقيق. فتدعوا ما لم تقبله عقولكم. ولا يحملكم ذلك على التجاهر بتضليل أفراد عدوا في صدر الأمة من عيون الأعيان. ولقد علمتم ما قيل في الشيخ الأكبر من أنه ما خاض مع علماء علم إلا عد من أعلمهم.

وأما ما تعرض سيادة الرئيس له من فضل صلاة الفاتح. فقد رمى به جزافا. ولم ينصف في نقل ذلك عمن ذكر ذلك الفضل مفصلا في حق بعض التالين. أما الجوهر اللفظي القرآني فهو في الشأو الذي لا يُلحق ولا يحوم حوله من راقب الحق.

وعلى فرض صحة ما قاله وهو يعلم بأنه خلاف ما يقوله لمطالعته لكتب الطريقة التي ذكر فيها فضل صلاة الفاتح. فإن الطريقة مبناها على ما ذكرنا من استغفار وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهيللة ومحافظة على الصلوات المفروضة. وناهيك بأهل هذه الطريقة محافظة على إقامتها في أوقاتها جماعة وأفذاذا. وما زاد على الورد المذكور فهو إما فضل خاص بأهله أو فضول موضوع في غير محله. فقال: أي فضل يعتد به في جانب ما لم يرد عن الشارع. وما جميع مثل هذا إلا ومبناه على مراءي منامية. وهي أضغاث أحلام.

فقلت له: لقد قلتُ لكم إن مبنى هذه الطريقة مما أسس على تقوى من الله ورضوان. ولا أخال جل الطرق إلا كذلك. وكون فضل أوراد الطرق لم يرد عن الشارع. يقال عليه: إنه وإن لم ترد جميع الصيغ المعروفة عند أهلها. فبعضها فضله وارد كالهيللة ونحوها. على أنه ما ورد منع عن الشارع. بعمل الشخص بما ترتب عليه ذلك الفضل الغير الوارد في زعمكم. ويكفي في ذلك البشارات المنامية التي أظنكم تستهونونها. وقلتم أنها أضغاث أحلام. وهي تطمين لقلب الرجل الصالح المسارع للخيرات. والعمل بها بعد أداء المفروضات. لكون الرؤيا الصالحة من المبشرات التي يراها الرجل الصالح أو ترى له كما ورد بذلك الحديث.

وفي الصحيح: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة(28). وقد قلنا أيضا: ما زاد على ذلك فضل أو فضول. فأين ما تنكرون على الشيوخ في مثل هذه الأذكار؟
فقال أستاذ الحضرة الشريفة(29): قد اشتملت بعض الأذكار التجانية على وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأسقم(30). وهو وصف شنيع لا ينبغي وصفه به. فقلت: لم يرد المنع من وصف النبي في مقام الثناء عليه بما يشعر بالتنويه بقدره العلي. وهذا الوصف من أتم أوصافه. فإن جده سيدنا إبراهيم عليه السلام وصف نفسه فيما أخبر الله به عنه فقال: إني سقيم(31). وما سقمه إلا لفرط ما داخله من حزنه على قومه الذين لم يوحدوا خالقهم فأشركوا معه عبادة الأصنام. وقد حصل لنبينا عليه السلام من الاهتمام بأمر أمته ما حمله على أن قال: شيّبتني هود وأخواتها. وذلك من خوفه عليهم وحزنه الأكبر. فهو الأسقم الأتم.

فقال الشيخ أبو شعيب: ما بال هؤلاء الشيوخ أعرضوا عن الوارد إلى ما لفقوه من تصلياتهم. فحببوا للعامة تلك الصيغ المشتملة على مثل هذه الألفاظ الموهمة التي نحوا بها منحى الغريب عما ألفه الناس. والنفوس دائما تتطلع إلى كل مستغرب. ما أرى هذا ونحوه منهم إلا إعراضا عن قول الرسول الذي ينبغي التمسك به في حق من يريد الوصول. زيادة على كون هذه الأذكار التي يذكرونها صباحا ومساء في عددها الخاص شيء محدث. وقد ألزموا مريديهم بها. فهو من قبيل إلزامهم بما لم يلزمهم الله به. على أننا لو فرضنا أنه نذر المكرر. وهو مكروه على مشهور مذهب الإمام.

فقال الرئيس المذكور: وأزيدك أنهم يعتقدون أن من تركه يكفر ويموت على سوء الخاتمة: فهذا مما خوفوا به العامة. وهي طامة وأي طامة.

فقلت لهم: قد قيل قديما:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ……ولكن عين السخط تبدي المساويا(32)

فإن مثل هذه المقالات وذكرها مما نعده في جنب الطريقة فضولا.
وهو إذا صح من قول الشيخ. فيحمل على كفران المريد للنعمة التي كان أنعم الله عليه بها فتركها. ولا يبعد أن يؤدي ذلك بكافر النعمة إلى إطلاق لسانه في أهل الله فيموت على سوء الخاتمة(33) . وكفى المرء انتصارا أن يرى عدوه في معصية الله. ولا أقل من سوء الظن في عبادة الله:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ……وصدق ما يعتاده من توهم(34)

على أني أحاشي جانبكم من التحامل على الذاكرين لله. المصلين على مولانا رسول الله عليه السلام. فتنفير الناس عنهم بمثل هذه العورات - عنكم - وما هي بعورة. فقال:

أو ليس هذا مذكور في كتب هذه الطريقة حتى كتبك المؤلفة فيها؟ فقلت له: إن ترغيب المريد في الشيء وترهيب المريد في ترك الفضل قد يقضي بالمتوغل فيه إلى أن يخرج به الفضول إلى نحو ما تقول. وقد علمت تأويله على فرض صحته من قول الشيخ المرغب في الخير المرهب للمريد بما لا يقال للغير. مع أن هذا ونحوه ليس من الطريقة في شيء. وإنما هي أوراد يلتزمها المريد مع ملازمة أداء ما هو مفروض عليه من الصلوات ونحوها. بمحافظة تامة كما قلنا أولا. أما كراهة تكرار النذر فليس بمجمع عليه. وكفى استدلالا على كونه مرغبا فيه إجماع من يعتد بهم من العارفين على العمل به. وقد جرى العمل حتى عند الفقهاء بأشياء يجب الفتوى بها وهي مخالفة للقول المشهور. حتى قال ناظم العمليات الفاسية(35):

وما به العمل دون مشهور ……مقدم في الأخذ غير مهجور

فقال: نحن لا نقول بالعمل. والعمل المعتد به إنما هو الموافق لما جاء به الرسول عليه السلام. ومثل هذه العمليات هو الذي وقف بالناس في موقف الإعراض عن الحق بما تقتضيه أغراض من عملوا بما خالف الكتاب والسنة. فبدلوا ما جاء عن الرسول عليه السلام بما جاء من عندياتهم. فتفرقوا شيعا مثل الطرقيين(36).

فقلت له: نحن مقيدون بمذهب. والحضرة الشريفة تلزم القضاة بالحكم بالعمل. فقال نحن لا نعمل إلا بما جاء عن الرسول. ولا عمل بمخالفته. فقلت له: في هذا نوع من الافتيات على مَن نحن ملزمون بطاعته. وادعاء مخالفة العمل لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى اطلاع تام على جميع ما ورد عنه عليه السلام. وأنّى بهذا للمجتهد فضلا على المقلد. على أننا نتحقق بأن الحق واحد، واختلاف الأمة رحمة. وجميع المذاهب لا تقصد إلا الحق ولا تدعوا إلا إليه. وهي في الحقيقة طرق. وأهلها طرقيون. ولم يعدوا من الذين فرقوا دينهم. فالمالكي محمدي. والشافعي محمدي. والحنفي محمدي. ونحوهم ممن اجتهدوا. فهم يعتقدون أنهم محمديون. أخطأوا في اجتهادهم أو أصابوا. مثل ما نقوله في حق الشاذلي. والمنتسب لطريقه محمدي. والتجاني محمدي. وهكذا سائر الطرق. غير أن طرقهم لا تسمى مذاهب. والمتقيد بحبل إمامه لا يقال فيه مخالف في عمله للكتاب والسنة. مع وضوح المخالفة في كثير من الفروع المذهبية فيما بين أهلها.
فقال: نحن لا نعمل إلا بالكتاب والسنة، ولا نعمل بما خالفهما. ولو قال به أي مذهب كان. فقلت له: حتى لو قال به مشهور مذهب مالك؟ فقال: حتى لو قال به مالك. فنحن لا نعمل إلا بما قال الله ورسوله عليه السلام.
فقلت له: إذن أنتم غير مقيدين بمذهب؟
فقال: نعم(37).
فقلت: كفاني خروجكم من المذهب. وإني أحاشي جانبكم عن مثل هذه الحدة التي ألجأتكم إلى الخروج عن المذهب.
فقال: نحن نقول لك: مذهبنا الكتاب والسنة. وأنتم تقولون مذهبكم غيرهما من المذاهب والطرق. وبين الحالتين ما بين النازل للحضيض والراقي في أعلى الأفق. فقلت للحاضرين إذن:

صارت مشرقة وصرت مغربا ……شتان بين مشرق ومغرب

فبالله عليكم أيها السادة إلا ما سلكتم سبيل الرفق في الإصلاح. وتركتم عنكم الناهجين منهج ذوي الصلاح. وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. ثم حان وقت انفضاض مجمع الاحتفال. فهدأت الأصوات. وتمت المناظرة من غير شفاء غليل الجانبين فيها في تلك السويعة. وتفرق الجمع بسلام.

وكل يدعي وصلا بليلى ……وليلى لا تقر لهم بذاك

__________
(1) - محمد بن عبد السلام الرندة. فقيه قاضي نوازلي وزير. من أعلام مدينة الرباط. وهو من مواليد سنة 1288 هـ-1870م. عمل كاتبا بمراكش إبان عهد السلطان المولى عبد العزيز. ثم عين بعد ذلك عدلا بمرسى العرائش. ثم بمرسى مدينة آسفي. قبل أن تتم توليته عضوا بمجلس الاستئناف الشرعي بمدينة الرباط. ثم قاضيا فيما بعد. فوزيرا للعدلية.
له تآليف كثيرة. منها تأليف حول الأضرحة والمزارات التي بالرباط وشالة. توفي يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1365 هـ 15 فبراير 1946م. ودفن من يومه بشالة الأثرية. وذلك بوصية منه. وللعلامة سكيرج مقصورة في مدحه. وتحذيره من الوقوع في أعراض أولياء الله تعالى. أو الميول إلى الفئة المنكرة عليهم. تقع هذه المقصورة في 156 بيتا، قال في مطلعها:
العذل لا يسمعه أهل الهوى = حيث هم قد فقدوا فيه الحجى
كيف يليق بمحب يدعي = حب حبيب ويميل للعدا
إلى أن يقول في بعض أبياتها:
وكيف لا وهو الرضى الرندي محـ=ـــمدا أجل عالم قد اهتدى
ذو همة تسمو به في رفعة = زاد بها تواضعا بين الورى
أنظر ترجمته في "مِن أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين الرباط وسلا" 2: 130-140. "معلمة المغرب" 13: 4451. "سل النصال" لابن سودة 118. موسوعة أعلام المغرب 9: 3208.
(2) - جمعية أوقاف الحرمين الشريفين. أحدثت إبان السنوات الأولى لعهد السلطان المولى يوسف. وكان الذي تولى رئاستها آنذاك هو الأستاذ قدور بنغبريط. ولهذه الجمعية مندوبون بدول مختلفة. لا سيما منها دول المغرب العربي. التي كانت خاضعة إذ ذاك تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي. ويعود أول اجتماع لأعضاء هذه الجمعية إلى تاريخ 20 غشت 1917م بمدينة الرباط.
(3) - محمد بن عبد السلام المقري. الصدر الأعظم بالمغرب (رئيس الوزراء). شغل هذا المنصب منذ سنة 1337 هـ-1919م. وظل متقلدا به طيلة عهد السلطانين المولى يوسف وخلفه محمد الخامس. وهو من مواليد سنة 1261 هـ- 1845م. توفي صباح يوم الإثنين 13 صفر 1377 هـ- 9 شتنبر 1957م. عن عمر يناهز 115 سنة.
أنظر ترجمته في "موسوعة أعلام المغرب 9: 3330.
(4) - قدور بن أحمد بنغبريط. سياسي محنك. من مواليد مدينة تلمسان بالجزائر سنة 1288 هـ- 1872م. شغل مناصب هامة من ضمنها تعيينه رئيسا للتشريفات الملكية. وذلك ضمن عهد السلطان المولى يوسف. كما عمل رئيسا لجمعية أوقاف الحرمين الشريفين. فكلف في هذا الصدد بإعادة تنظيم هذه الأوقاف. الشيء الذي دفعه للقيام بزيارات عديدة لدول شمال افريقيا. بالإضافة إلى بلاد الحجاز التي زارها على رأس وفد من مندوبي الجمعية المذكورة. وكان خلالها مبعوثا من طرف جلالة المغفور له المولى يوسف إلى الشريف حسين بن علي ملك الحجاز. وذلك سنة 1334 هـ-1916م.
ولمترجمنا الدور البارز في تشييد مسجد باريس والمعهد الإسلامي المجاور له. وهو الذي تولى مأمورية استدعاء وفود الدول الإسلامية لحضور تدشينهما بباريز سنة 1926م. كما تولى إدارة شؤون هذا المسجد إلى حين وفاته سنة 1373 هـ- 1954م. ودفن بالمسجد نفسه.
أنظر ترجمته في "موسوعة أعلام المغرب 9: 3292. وفي "معلمة المغرب" 5: 1450-1451م.
(5) - محمد بن عبد الله ملين الرباطي. فقيه مدرس أديب وزير. من أعلام مدينة الرباط. أخذ عن جماعة من علماء هذه المدينة. كالمكي البطاوري. والجيلالي بن إبراهيم. ومحمد الرغاي. وفتح الله بناني وآخرين.
له مؤلفات منها: المناهج السارية للبهجة المرضية. وهو شرح على بهجة السيوطي على ألفية ابن مالك. ومنها أيضا: إرشاد الخواص والعوام لفعل الواجب وترك الحرام. وكتاب الأخلاق والتوحيد. وغير ذلك من مؤلفات أخرى. وهو من مواليد سنة 1303 هـ. توفي عشية يوم الخميس 7 جمادى الأولى 1372 هـ- 23 يناير 1953م.
أنظر ترجمته في موسوعة أعلام المغرب 9: 3280. وفي كتاب "من أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين الرباط وسلا" 2: 169- 173م.
(6) - الهادي الأخوة. سياسي محنك. تونسي. من مواليد 15 شتنبر 1872م- جمادى الثانية 1289هـ بتونس العاصمة. عمل في مناصب حكومية هامة. كان من ضمنها تعيينه رئيسا لقسم المحاسبات بالحكومة التونسية سنة 1913م. ثم وزيرا للقلم والاستشارة في حكومة خليل بوحاجب سنة 1926م. قبل أن يترقى إلى منصب الوزير الأكبر في عهد أحمد باشا الثاني سنة 1932م. وظل محتفظا بهذا المنصب إلى حين وفاته سنة 1368 هـ-1949م
أنظر ترجمته في مشاهير التونسيين ص 667.
(7) - محمد (فتحا) بن محمد البشير ابن الخوجة. أديب مؤرخ سياسي محنك. من مواليد تونس العاصمة في 6 فبراير 1869م- شهر ذي القعدة 1286هـ. تولى مناصب بارزة في الحكومة التونسية كان آخرها تعيينه واليا على إقليم قابس وجربة سنة 1920م. ثم نقل عاملا على الكاف سنة 1921م. ثم على بنزرت سنة 1925م. ثم مستشارا للدولة الحسينية بعد أن أحيل على التقاعد سنة 1934م. وهو المنصب الذي شغله إلى حين وفاته.
وله مؤلفات كثيرة منها: الرزمانة التونسية، في عدة أجزاء. تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد. الشيخ عمر والحاج فتوح. وهي محاورة بين هذين الشخصين حول آداب رمضان. وهي باكورة أعماله. وله أيضا الرحلة الناصرية. يدور موضوعها حول رحلة الملك محمد الناصر باي إلى فرنسا.
توفي بتاريخ 18 ذي الحجة 1361هـ- 27 دجنبر 1942م. أنظر ترجمته في "مشاهير التونسيين" 493-494. تراجم الأعلام 293-316. تراجم المؤلفين التونسيين 2: 259-261.
(8) - مصطفى صفر. أديب ناشط في المجال الفني. مدرس سياسي مشهور. من مواليد تونس العاصمة سنة 1892م-1310هـ. عمل ضمن مناصب حكومية بارزة. كان منها انتخابه شيخا لمدينة تونس ورئيسا لمجلسها البلدي. وله يعود فضل تأسيس جمعية الرشيدية سنة 1934م. وهي جمعية تعنى بجمع التراث الغنائي الأندلسي التونسي. وقد ظل على رأسها إلى حين وفاته في 2 صفر 1360هـ- فاتح مارس 1941.
أنظر ترجمته في "مشاهير التونسيين: 639-640". المعهد الرشيدي للموسيقى الأندلسية.
(9) - مولود بن محمد بن موهوب. فقيه مفت أديب. جزائري. من مواليد قسنطينة سنة 1283 هـ-1866م. ولي إفتاء المالكية بالمدينة المذكورة. كما تصدر للتدريس بجامعها الكبير. وله مؤلفات منها: "نظم الأجرومية" و"شرح منظومة التوحيد للمجاوري". و"مختصر الكافي في علم العروض والقوافي". توفي بعد سنة 1349 هـ-1930م.
أنظر ترجمته في "أعلام الجزائر: 197". الأعلام للزركلي 7: 333. عن نهضة الجزائر الحديثة 1: 134.
(10) - الحبيب بن عبد الملك. فقيه فاضل. من خيرة علماء وهران. وهو مفتيها. ومقدم الطريقة التجانية بها. كانت تربطه بالعلامة سكيرج صداقة وأخوة متينة. كما أنه استدعاه لزيارته بمدينة وهران سنة 1329هـ- 1911م. فلبى العلامة سكيرج الدعوة وألف حول هذه الزيارة رحلة شيقة سماها: الرحلة الحبيبية الوهرانية. الجامعة للطائف العرفانية.
توفي بموطنه بوهران على الساعة التاسعة من صباح يوم السبت 11 رمضان المعظم 1359 هـ- 13 أكتوبر 1940م. ودفن بروضة بودومة بالمدينة ذاتها. أنظر ترجمته في كتابنا: رسائل العلامة القاضي أحمد سكيرج 1: 16.
(11) - محمد بن العربي العلوي المدغري. فقيه قاض. أخذ عن جماعة من كبار علماء وقته. منهم أحمد بن الخياط الزكاري. ومحمد (فتحا) بن قاسم القادري. وخليل الخالدي. بالإضافة لأبي شعيب الدكالي. وهو عمدته وموجهه وبه تخرج.
وقد تولى مهاما ومسؤوليات عديدة. منها رئاسة مجلس الاستئناف بمدينة الرباط. وهو العمل الذي كان يشغله أثناء هذه المناظرة. كما تولى من بعد منصب وزير العدلية. توفي مساء يوم 23 محرم الحرام 1384هـ-4 يونيه 1964م بالرباط. ثم نقل جثمانه إلى مسقط رأسه مدغرة. وبها دفن.
أنظر ترجمته في سل النصال لابن سودة 195-197. وفي موسوعة أعلام العرب 9: 3383-3385.
(12) - وزير العدلية الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمان الدكالي الصديقي. ولد بدار الفقيه ابن الصديقي بدكالة في 25 ذي القعدة عام 1296 هـ. وكان رحمه الله آية في الفقه والحفظ. فقد حفظ القرآن كله إلا خمسة أجزاء منه في سنة واحدة. وحفظ الأجرومية في يوم واحد. وألفية ابن مالك في عشرة أيام. ومتن الشيخ خليل في خمسة أشهر. واستكمل رحمه الله القرآن برواية السبع عن شيخه الأستاذ سيدي محمد بن المعاشي.
ثم تعاطى بعد ذلك لطلب العلوم. فأخذ عن عشرات الشيوخ. منهم الفقيه العلامة السيد الطاهر قاضي الحضرة المراكشية. ومحمد بن عزوز. ومحمد بن أبي شعيب. والطاهر بن قدور وغيرهم. وفي سنة 1314 هـ رحل للمشرق العربي. فأقام بمصر ست سنوات. ثم رحل للحجاز بطلب من أمير مكة الشريف عون الرفيق. وذلك لإقراء العلم بها. وفي سنة 1327 هـ رجع للمغرب فانتخب قاضيا بمراكش عام 1329 هـ. ثم وزيرا للعدلية عام 1330 هـ. وتوفي رحمه الله ليلة السبت 18 جمادى الأولى عام 1356 هـ- 27 يوليوز 1937م. ورثاه العلامة سكيرج بميمية قال في مطلعها:
الدهر قاض نافد الأحكام = حتى على الحكماء والحكام
من ذا الذي في الحكم عانده ولم = يقضي عليه بعاجل الإعدام
أنظر ترجمته في رياض السلوان للعلامة سكيرج ص 3. وفي معجم الشيوخ لعبد الحفيظ الفاسي ج 2 ص 141. وفي الأعلام للزركلي ج 3 ص 167. وفي قدم الرسوخ للعلامة سكيرج رقم الترجمة 46.
(13) - محمد بن محمد المعمري. فقيه أديب شاعر. من أصل جزائري. ولد سنة 1298 هـ. كان يعمل مدرسا لأنجال السلطان المولى يوسف. ثم أصبح ذا مركز سام في بلاط جلالة المغفور له محمد الخامس. توفي صباح يوم الجمعة 2 محرم الحرام عام 1392 هـ - 17 فبراير 1972م. أنظر ترجمته في موسوعة أعلام المغرب 9: 3440.
(14) - يعني به محمد بن العربي العلوي.
(15) - محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي أصلا الفاسي دارا ومنشأ. ولد بفاس عام 1291 هـ. حفظ القرآن الكريم على الشيخين الجليلين محمد بن عمر بن سودة. ومحمد بن الفقيه الورياجلي. ثم اشتغل بطلب العلم بالقرويين منذ عام 1307 هـ. ومن شيوخه الذين أخذ عنهم العلامة محمد بن التهامي الوزاني. ومحمد (فتحا) بن قاسم القادري. ومحمد بن محمد بن عبد السلام كنون. وعبد السلام الهواري. وأحمد بن الجيلالي الفيلالي الأمغاري. وأحمد بن الخياط. وعبد المالك الضرير العلوي وغيرهم.
وبعد تخرجه زاول التدريس بجامعة القرويين. ثم أسندت إليه سفارة المغرب بالجزائر على مدى سنتين ابتداء من عام 1321 هـ. ثم عين وزيرا للعدل. وبعدها وزيرا للمعارف الإسلامية في عهد الحماية الفرنسية بالمغرب. وكانت وفاته بالرباط سنة 1376 هـ- 1956م. ونقل لفاس. حيث دفن ببعض مساجدها. وله رحمه الله تآليف كثيرة منها: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. والبرهان في الفرق بين الألوهية والنبوة. والمحاضرة الرباطية في إصلاح تعليم الفتيات في الديار المغربية. والصورة الجمالية في تاريخ إفريقيا الشمالية. وإتحاف الزائر بمشاهدة أرض الجزائر. والرحلة الأوروبية فيما شاهدته بأراضي فرنسا وإنجلترا من التقدمات العصرية. ومستقبل تجارة المغرب. والتعاضد المتين بين العقل والعلم والدين. وغير ذلك من التآليف الأخرى. أنظر ترجمته في رياض السلوان للعلامة سكيرج ص 146. وفي الأعلام للزركلي ج 6 ص 96. وفي العز والصولة لعبد الرحمان بن زيدان ج 2 ص 53. وفي مقدمة كتابه الفكر السامي ج 1 ص 9-23.
(16) - بمعنى الدم، وهو السائل الأحمر الذي يجري في عروق الإنسان.
(17) - يعني به محمد بن العربي العلوي.
(18) - للرد على هذا الاعتراض نقول: إن الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمع الصحابة كلهم على دعاء معين منها، وإنما كان كل منهم يدعو بما طاب له منها. ثم أتى التابعون من بعدهم فأضافوا إلى هذه الأدعية أدعيات أخرى. ولم يروا في ذلك بأسا ولا حرجا. وازداد نطاق الأدعية اتساعا بظهور مشايخ التصوف. الذي كانوا يهدفون بالأوراد إلى ربط الناس بالذكر والدعاء. خاصة وأن المسلمين كانوا قد فتروا عن قراءة القرآن وعقد مجالس الذكر. فكان لا بد من تحريك هممهم وإثارة عزائمهم وشحد قواهم الروحية. وإعادتهم إلى حظيرة التعاليم الإسلامية الصحيحة.
والمتأمل في أوراد وأحزاب الطرق الصوفية يجدها عبارة عن ابتهالات وتقربات وتصليات. تحمل من المعاني الكريمة ما يملأ النفس إيمانا. والقلب سكينة واطمئنانا. والروح سموا وحركة. والجسد خفة وفعالية.
ففيها تأكيد لوحدانية الله تعالى. وتمجيد لأسمائه ونعوته وصفاته. وفيها صيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تليق بجنابه العظيم ومكانته السامية التي لا تدانيها مكانة.
فكيف يسوغ لمن يعترض على هذه الأدعية والأوراد بحجة أنها لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الكرام رضي الله عنهم. ورحم الله الإمام علي بن أبي طالب إذ يقول: الناس أعداء ما جهلوا. ومن هذا النطاق أيضا قول الشاعر أبي العلاء المعري:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا = تجاهلت حتى ظن أني جاهل
فوا عجبا أن يدعي العلم جاهل = ووأسفا أن يدعي الجهل فاضل
(19) - نعوذ بالله من سوء الظن بأهل الله تعالى وأوليائه وذاكريه ومحبيه ومن انحاش إليه. قال تعالى: وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. سورة النجم الآية 28. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم. سورة الحجرات الآية 12. وقد صدق الشاعر المتنبي حين قال:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه = وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته = وأصبح في ليل من الشك مظلم
(20) - هذا محض كذب وافتراء على حضرة ساداتنا أولياء الله تعالى. ولا أدري كيف سولت لهذا الفقيه نفسه أن يفوه بمثل هذا الكلام الجارح البعيد عن الحق والصواب. ولكن فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. وكان من الأولى به أن يعمل بالحديث القدسي الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. وقد رأينا بأعيننا مصير أعداء أولياء الله تعالى. وكيف شتت الله شملهم ومزقهم كل ممزق. وأنزل بهم أصعب الفجائع وأشد الرزايا. وجعلهم عبرة لمن يعتبر.
فلو أننا ألقينا نظرة على تاريخ مشايخ التصوف وما وقع لمبغضيهم من مصائب ومحن لأدركنا مدى دفاع الله عن أوليائه. وغيرته عليهم. وحبه إياهم. ومقته لمن ينكر عليهم أو يعاديهم.
(21) - أنظر صحيح الإمام البخاري رقم الحديث 2697.
(22) - يعني به محمد بن العربي العلوي.
(23) - سورة الأنعام الآية 159.
(24) - يعني به الشيخ محي الدين ابن عربي الحاتمي صاحب الفتوحات المكية.
(25) - سورة البقرة الآية 6.
(26) - هذا كذب وافتراء وتجرؤ على أعتاب شيخ ذي مكانة عالية في العلم والاستقامة والصلاح. وهو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنه. الذي هو غني عن التعريف. ويكفينا أن نعود إلى عصره لنجد أن من جملة مريديه جماعة من كبار علماء ذلك الحين. في مقدمتهم السلطان العادل المولى سليمان. والعباس بن كيران. وأحمد بن محمد بناني. وأحمد دبيزة العلوي. ومحمد بن فقيرة. والهادي بادو المكناسي. وعبد السلام العلمي. ومحمد الحافظ العلوي الشنجيطي. وإبراهيم الرياحي التونسي وغيرهم.
فهل كل هؤلاء أغبياء. أو سدجا. أو قاصرين عن معرفة حقيقة هذا الشيخ المذكور. وهم من هم من ذوي الدرجة الرفيعة في العلم والمعرفة الصحيحة. حفظا وفهما ودراية واستيعابا.
فكيف يسوغ لهذا الفقيه المتأخر وقته أن يتهم هذا الشيخ المجمع على فضله وولايته بكونه أراد محو فضيلة القرآن، وأنه اختلق من عندياته ثوابا خاصا وخياليا لصلاة الفاتح لما أغلق. سبحانك هذا بهتان عظيم. والذي لا يخفى على أحد أن الحسد هو السبب الدافع لكل هذه المثالب. وهو الذي جر هذا الفقيه ومن على شاكلته إلى الوقوع في عرض هذا الولي الفاضل. ورحم الله الشاعر أبا الأسود الدؤلي إذ يقول:
حسدو الفتى إذ لم ينالوا سعيه = فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها = حسدا وبغضا إنه لذميم
(27) - على رسلكم: على مهلكم.
(28) - أنظر صحيح الإمام البخاري. كتاب باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. رقم الحديث 6989.
(29) - يعني به العلامة محمد المعمري سبقت ترجمته في ص
(30) - لفظ الأسقم من ألفاظ صلاة جوهرة الكمال في التعريف بسيد الرجال. وهي من أذكار الطريقة التجانية اللازمة. تقرأ في ختام الوظيفة 12 مرة. وقد أنكر هذا اللفظ بعض الفقهاء المتعصبين. فألف في الرد عليهم غير واحد من جهابدة علماء هذه الطريقة. نذكر منهم العلامة الفقيه سيدي محمود بن المطمطية. حيث ألف في هذا الصدد ثلاثة كتب مفيدة، وهي:
قنبلة الشاب. في نحر من حرف جوهرة سيد الأقطاب.
أنياب القسورة. لكسر عظام من حرف الجوهرة.
إرشاد الشيخ النبهاني. منكر كلمة الأسقم على شيخنا التجاني.
(31) - سورة الصافات الآية 89.
(32) - هذا البيت الشعري منسوب إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وقد نسج على منواله الإمام الشافعي ثلاثة أبيات أخرى. ونص الجميع:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة = ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولست بهياب لمن لا يهابني = ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
فإن تدن مني تدن منك مودتي = وإن تنأ عني تلقني عنك نائيا
كلانا غني عن أخيه حياته = ونحن إذا متنا أشد تغانيا
(33) - من هذا القبيل ما قيل قديما: اللسان أجرح جوارح الإنسان. ومن ذلك أيضا قول الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان: احفظ لسانك فإن الكلمة أسيرة في وثاق الرجل. فإن أطلقها صار أسيرا في وثاقها.. إهـ. ورحم الله الشاعر إذ يقول:
احفظ لسانك أيها الإنسان = لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه = كانت تهاب لقاءه الشجعان
ومن ذلك أيضا قول الشاعر الآخر:
جراحات السنان لها التئام = ولا يلتام ما جرح اللسان
(34) - هو البيت الثامن من قصيدة لأبي الطيب المتنبي قال في مطلعها:
فراق ومن فارقت غير مذمم ……وأم ومن يممت خير ميمم
(35) - هي أرجوزة طويلة. جمع فيها ناظمها ما يقرب من ثلاثمائة مسألة. جرى بها العمل في الأحكام عند قضاة مدينة فاس. وناظمها هو العلامة المؤرخ الأديب الحافظ أبو زيد عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي. المدعو بسيوطي زمانه. له ما يزيد على سبعين مصنفا. تختلف ما بين فقه وأدب وتاريخ وتصوف وسيرة وتراجم. وهو من أشهر علماء المغرب وأكثرهم بروزا. لا سيما في عصره. ومما قاله في حقه معاصره العلامة الأديب أبو سالم العياشي:
ما في البسيطة طرا من يباريكا = يا أطيب المنتمى سبحان باريكا
وقد سبرت الورى فلم أجد أحدا = ممن يروم العلا منهم يوازيكا
شرقا وغربا فلم يطرق مسامعنا = من في سنين الصبا يجري مجاريك
من ألف الكتب في سن البلوغ ومن = له بكل العلوم كفتاويك
غصن المجادة في دوح السيادة من = روض الولاية قد جلت معاليكا
رقيت في رتب المجد الأثيل فما = في عصرنا أحد يرقى مراقيكا
توفي سنة 1096 هـ- 1685م. ودفن بزاويتهم بحومة القلقليين بفاس. أنظر ترجمته في سلوة الأنفاس لمحمد بن جعفر الكتاني 1: 315. وفي الدرر الفاخرة لابن زيدان 13. وفي عناية أولي المجد للسلطان المولى سليمان 43. وفي الاستقصا 4: 51. وفي نشر المثاني (موسوعة أعلام المغرب) 4: 1682-1685. وفي الأعلام للزركلي 3: 310.
(36) - لا أدري كيف يسوغ لهذا الفقيه أن يطعن في كتاب العمل الفاسي للإمام الحافظ العلامة الشهير عبد الرحمان الفاسي. وهو من هو في العلم والحفظ والمعرفة والفهم. بالإضافة إلى كون هذا الكتاب (العمل الفاسي) معمول به في الأحكام منذ عدة قرون ولت. وقد أقره وشهد بفضله وعمل به مئات علماء القرويين. إن لم نقل الآلاف منهم. كعبد القادر بن شقرون. ومحمد بن زكري. وعلي الحريشي. وأحمد بن عبد العزيز الهلالي. وعبد القادر بوخريص. ومحمد بن الحسن بناني (محشي الزرقاني). والتاودي بن سودة. والطيب بن كيران. وعبد القادر الكوهن. ومحمد بن المدني كنون وآخرين. فهل كل هؤلاء كانوا على خطأ؟ أم كانوا يسكتون عن الحق ويحبذون مخالفة الكتاب والسنة؟ حاشا معاذ الله. بل كانوا علماء كبار. ذوي إلمام واسع بالفقه وأصوله وكلياته وفروعه وجزئياته وفتاويه. والذي أعتقده أن حال هذا الفقيه في اعتراضه على هذا الكتاب (العمل الفاسي) يمشي على نمط قول الشاعر:
وكم من عائب قولا صحيحا ……وآفته من الفهم السقيم
(37) - إقرار هذا الفقيه بخروجه عن المذهب هو شيء غريب لا يحتاج إلى تعليق.