V- اعرف ربك سبحانه و تعالى:
حقيقة المحبة:
محبة العباد لخالقهم تعالى و لنبيهم صلى الله عليه و سلم:
ليس من أتاك زائرا ثم قال أردت منك كذا و كذا كمن أتاك محبة فيك و رغبة في رؤيتك لا لشيء آخر، شتان ما بينهما، كذلك ينبغي للعبد أن لا يطلب إلا مولاه مخلصا لا لحظ عاجل أو آجل، يقول تعالى:" و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " فالرب سبحانه و تعالى يعبد لا لغرض بل لكونه إلها يستحق الألوهية و العبودية من ذاته لما هو عليه من محامد الصفات العلية و الأسماء البهية و هذه هي العبادة العليا، و يقول رضي الله عنه "أصل كل شيء و أساسه المحبة". و كان إذا ادعى أحد بين يديه رضي الله عنه المحبة، قال له من علامات المحبة السعي في رضا المحبوب و الوقوف عند أمره و نهيه و اتباع قوله و فعله. و كان رضي الله عنه يحكي حكاية معلومة لبعض الملوك السالفين وهي أنه كان له غلام عزيز عليه جدا فكلمه قواده في ذلك فأراد إظهار مزيته فأخرج لهم ياقوتة نفيسة و أمرهم بكسرها فجعل كل منهم يشير عليه بإبقائها فأمر الغلام بكسرها فكسرها مكانه دون تردد فزجره السلطان و وبخه على كسرها فجعل يتضرع إليه يا سيدي يا مولاي فقال السلطان عنه ذلك للآخرين أنتم أمرتكم أولا فجعلتم ترشدونني و لو كسرتموها و لمتكم لقلتم أنت أمرتنا و هذا امتثل أولا و تضرع ثانيا، لهذا أحبه.
هذا و اعلم أن محبة الخلق لله سبحانه و تعالى على مراتب: الأكابر الأعلون منحهم محبة ذاته سبحانه و تعالى فهم بها غرقى في بحار التوحيد لا يعرفون غير الله تعالى و لا يلتفتون إلى سواه، و دونهم في المحبة عامة الأولياء يحبون الله تعالى لفضله و لما منحهم من جوده و كرمه و محبتهم مقتضاها الشكر و على هذه المحبة دلت الأنبياء جميع الخلق (و أما محبته تعالى لهم فقد قال تعالى في حقهم:" وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ {145} (آل عمران)) ، و المحبة الثالثة هي محبة الإيمان بالله و هي محبة جميع المؤمنين التي انتفى بها بغض الحق سبحانه و تعالى فما يتصور مع الإيمان بالله تعالى بغض له سبحانه (و أما محبته تعالى لهم فقد قال الله في حقهم:" وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {72}(التوبة))
و المحبة الرابعة العامة: و هي للكفار خاصة فإنهم يحبون الله تعالى محبة الألوهية لما هو عليه من كمال الألوهية و عمومها إلا أنهم مختلفون في هذه المرتبة، منهم من أحب الله تعالى مع معرفتهم بألوهيته كاليهود مثلا و منهم من أحب الله تعالى غلطا منهم بنسبة الألوهية لغيره إلا أن الحق سبحانه و تعالى تجلى لهم في تلك الألباس لكمال ألوهيته فأحبوه و عبدوه من حيث لا يشعرون فلولا أنه تجلى لهم في تلك الالباس و جذبهم بذلك التجلي إلى محبة ألوهيته ما كانوا يلتفتون إلى تلك الأوثان ... فهم محبون لله عابدون له من حيث لا يشعرون، فالخلق كلهم جملة و تفصيلا على المشيئة الإلهية.
محبته تعالى لخلقه:
إن محبة الحق لخلقه هو التصرف فيهم بحكم مشيئته الإلهية و إن تباينت مراتبهم في المحبة، فهناك المحبة الخاصة منه سبحانه و أصحابها هم المحبون لذاته تعالى العلية حبا خالصا لذاتها، و هذا المطلب هو أقصى المرامات كلها فمن منحه سبحانه و تعالى ذرة من هذا المطلب ارتفع به إلى المرتبة العليا في التعظيم و الإجلال و هناك المحبة العامة منه سبحانه و تعالى و في هذه المحبة جميع العوالم حتى الكفار فإنهم محبوبون عنده في حضرة قوله تعالى "فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فتعرفت إليهم فبي عرفوني"، فإن الأرواح كلها كانت كاملة المعرفة بالله تعالى و لكن طرأ عليها الجهل بمخالطتها للجسم فإنما ذلك الجهل بمنزلة الذي كان كامل العقل و العلم بالأمور فطرأت عليه مصيبة فصار أحمق لا يميز شيئا. و كخلاصة فالمحبة هي عين الإرادة متى أحب الشيء أراده و الإرادة عين المشيئة فإذا عرفت هذا عرفت أن كل ما في الكون محبوب لله تعالى. و في الحديث القدسي: إذا اطلعت على قلب عبدي فرأيت الغالب عليه ذكري ملأته بحبي ، و حب الله المحبة الخاصة هي غاية المطالب و من حل فيه حب الله تعالى سعد السعادة الأبدية، فالسعيد من سعد في الأزل و الشقي كذلك.